في جدليّة الحرب والسّلام وإسهامٌ في ما بعد حداثة اليقين الإنسانيّ! الدراسات والتوثيق | في جدليّة الحرب والسّلام وإسهامٌ في ما بعد حداثة اليقين الإنسانيّ!
تاريخ النشر: 03-03-2018

بقلم: اللواء الدكتور بهجت سليمان

 سلسلة الفكر الاستراتيجي - الحلقة الرابعة

- والسؤال : ليسَ لماذا قامت الحرب ؟ ..و إنّما على العكس : كيف تأخّرت هذه الحرب حتّى قامت في زمنها الذي كانته الحرب؟ -
تقوم حياتنا على مجموعة من القوانين التي لانعرف كيف نقيم لها وزنا ، فلا ندرك أبعادها إلا بالكاد . ، وبالمقابل ثمّة من الأوهام ما نرفعها إلى مصافّ القواعد الكليّة ، والنّواميس .
أتكلّم هنا على الصّنف الأوّل، خاصّة، فلا أعني بها قوانين الجاذبية و الطّاقة و السّرعة و التّسارع و ما إليها، و لكنْ تلك القوانين الاجتماعيّة- السّياسيّة التي تحكمنا من دون أن نتميّزها بكفاءة مناسبة.
و يغدو البحث عن مفاهيم و مضامين تلك القوانين، أكثر إلحاحاً و أهمّيّة في أزمنة الفوضى و التّحلّل التي تحكم المجتمعات و الشّعوب في مثل ظروف الحرب التي نعبرها، اليوم، بصعوبة و جدارةٍ و صبر.
أحد أهمّ هذه القوانين هو قانون "الاضطهاد" المتبادل الذي يتنازعه الجميع، تقريباً، نتيجة المعاناة الفرديّة التي طبعت بطابعها العلاقات اليوميّة كأثر من آثار الضّيق النّفسيّ الذي استولى على اتّجاهات السّلوك و الأفعال، بعد أن تقوّضت ظروف الفائض العصبيّ- الاجتماعيّ في هيكليّة العيش اليوميّ الذي أصبح مشروطاً بقوّى إضافيّة وليدة الطّوارئ التي تنامت في غياب الاستقرار.
من الطّبيعيّ أنّ القلق الاجتماعيّ الدّافع إلى ذلك هو حصيلة مجموعة من جوانب القلق الاقتصاديّ و السّياسيّ و الثّقافيّ و الأخلاقيّ، الذي حكم و يحكم الجميع.
تبدو ساحة فعل هذا "القانون" واسعة، أوسع من "ضروراتها" الحقليّة، كفعلٍ شرطيّ- ظرفيّ و ردّ فعل مكافئ أو مناسب، مع أنّها تترسّخ بعمليّةٍ ظرفيّة تبعاً للخلل الفرديّ الذي يترك مفاعيله في جميع البنى الجمعيّة منها و الاجتماعيّة، و تباين الأهداف أو الوسائل التي بفضلها يتمكّن الأفراد من قضاء حاجاتهم التي تزيد على كونها حاجات من قبيل الطّعام و الشّراب.
و أمّا ممارسة "الاضطهاد" في الأحوال اليوميّة العاديّة، فإنّها تتظاهر كفعل لا أخلاقيّ في المنظور النّقديّ. و هكذا، أو لهذا، تتآزر على رفضه السّياسة و الثّقافة و الإدارة و الأسرة و الجمعيّة و المجتمع. و في حالات معروفة يغدو السّلوك المقصود فعلاً مقنّعاً، في الظّروف الاستثنائيّة، يختبئ وراء سيلٍ من التّسويغات و التّحليلات و التّعليلات و "التّبريرات" الأخلاقيّة التي "تقول" أقلّ، بكثير، ممّا هي، فعلاً، تقول؛ و في كل حال نحن نشهد قبولاً عامّاً في إطار رفضٍ مشابه لتلك السّلوكات و المواقف. نحن هنا أمام تمزّقٍ نفسيّ تؤطّره الأجساد قائمٍ على إحباطات شتّى قلّما يًصار إلى الاعتراف بها أو تأويلها إلى حقائقها المكوّنة.
يقابل السلوك "الإيجابيّ" الممارس بواسطة "الاضطّهاد"، حالة من "الأسى" النّفسيّ الذي يتظاهر عند "المظلومين" في شكل من أشكال معاناة عقدة "الدّونيّة" المعروفة جيّداً في علم النّفس التّحليليّ كما في الوسائط البحثيّة، الكلاسيّة، لعلم مُبكّر، نسبيّاً، هو علم التّحليل النّفسيّ.
في الطّبيعة البشريّة ثمّة معطى كلّيّ سابقٌ على التّجربة؛ و هذا سواءٌ أقررنا بذلك أم أقرّ غيرنا أم لن نُقرّ نحن و لم يقرّ الغير!
إنّه معطى الوجود القبليّ، المتفوّق على التّجربة في إحداث الفرق. و لكنّه، و إذ هو يسبق التّجربة فإنّه ،لا يستطيع أن يسبق "الدّافع" إلى التّجريب، و لو بقي هذا الدّافع خفيّاً أبداً و لكنْ مائراً ليس له انطفاءٌ أو إشباع. 
يترتّب على هذا "الواقع" مبدأ بسيط يتعلّق بلا انعكاسيّة "الاضطهاد" و عدم ضرورة اكتشافه نتيجة للأسباب التي نعتبرها كذلك في معرض التّعليل. إنّني أحاول أن أقول إن "الاضطّهاد" بوصفه شعوراً اجتماعيّاً مُكلّلاً بالسّببيّة، إنّما هو "أقدم" من ذلك في تعليل "الظّاهرة". و هكذا فمن الخطأ أن نُرجع جميع الممارسات الاجتماعيّة و ردود الأفعال عليها (و هنا "الشّعور بالدّونيّة") إلى مجرّد نتيجة من نتائج "الاجتماع" و لو كان ذلك في ظرفيّة تقترح أن تقدّم نفسها كمبدأ جديد للعلّة.
أظهرت الحرب انفراقات كبيرة في القيم ما أدّى إلى قطيعيّة ظاهريّة و ظاهرة على رؤوس الأشهاد. و تطبيقاً لتحفّظنا، أعلاه، فإنّنا نغالي كثيراً عندما "نتّهم" الحرب بالسّبب بوصفها الدّافع الاجتماعيّ الشّامل الذي أتاح مثل هذه الانفراقات.
و لكن أين كانت تُقيم مثل هذه "القيم" العقيمة التي أظهرتها الحرب، في الزّمن الذي سبق هذه الحرب؟ 
و هل هي، فعلاً، وليدة لحظتها (في الحرب)/
أم أنّها كانت تقع في مكانٍ ما في "البنية" النّفسيّة- الاجتماعيّة التي كانت دوماً موجودة في تاريخ "المجتمع" منذ ما قبل الحرب؟
و ماذا، بالتّالي، شكّلت مناسبة الحرب، بالنّسبة إليها، من قرابات؟
السّؤال الأهم: هل لم توجد أسباب أحكام القيمة فيما قبل الحرب ؟
أم أنّها إنتاجٌ مسلّح، هو الآخر، من مفاعيل هذه الحرب؟
بمعنى ألم نكن ننظر بعين الضّرورة للمباحث الأخلاقيّة و أنساق عزل القيّم عن المنحطّ، قبل الحرب ؟
أم أنّنا لم نفعل هذا إلى أن جاءت بموضوعه الحرب؟
إنّ الأسئلة الأنثروبولوجيّة هي أسئلة تنضاف فيها الأجوبة إليها، على عكس الأسئلة الوصفيّة التي تنضاف هي إلى الجواب.
هنالك جوابٌ- سؤال (هذه منظومة مستقلّة)، و هنالك سؤالٌ- جوابٌ ( و هذه منظومة أخرى، مختلفة ) و ذلك على ما يطرحه ( كلود ليفي ستروس ) في مؤلّفه الشّهير "الأنثروبولوجيا البِنيويّة".
لا ننظر إلى موضوعنا المثار على أنّه من الأسئلة الوصفيّة التي تُبرّئ التّاريخ الثّقافيّ- الاجتماعي الذي يندمل على الكثير من الصّمت المنحرف في الدّوافع "الملتهبة" المتخفيّة في "السّكوت"، و إنّما ننظر إلى موضوعة "الاضطهاد" و "الدّونيّة" كنتيجتين أخلاقيّتين لتاريخ من السّلوكات المسكوت عليها في قواعد "الأدب" و المجاملة و "التّعايش" ما بين الأفراد و أنماط الاجتماع. 
أعني أنّ الأسئلة التي أثرناها أعلاه كأسئلة استنكاريّة هي الإنكارات، عينها، للسّؤال، و التي تُدخل هذه "المجموعة" من الأسئلة الزّائفة التي تُصنّف في نسق "الجواب- السّؤال"- و ليس العكس- في دائرة الضّوء، فحسب.
كانت الحرب هي "المناسبة" و لم تكن هي "الدّافع" وراء "الظّاهرة" التي أعلنت عن نفسها في "حرّيّات" الأفعال و السّلوك!
نحن نألف الكثير من "التّصرّفات" الاجتماعيّة القاضية بالتّحلّل من "القواعد" العرفيّة، عندما يبدأ الميزان العامّ للرّبح و الخسارة بتصدّر سائر الموازين الأخرى..
عندما يكون الاقتضاء أن يتحلّل النّمط الاجتماعيّ العامّ إلى منفسخات أو متفسّخات "عضويّة"، يصبح الأهمّ عند "العامّة" أن يتجاوز فيهم "الأمل" الحفاظ على الأنفس و الكيانات من التّشتّت و التّشتيت، إلى ماهو أكثر إسرافاً و إمعاناً في الوجود النّفعيّ المزيّف، في قائمة من الهموم يكون أوّلها استغنام الّلحظة التّاريخيّة المنفتحة على هوامش جديدة تقوم مقام المتون في الأصول و الثّوابت. 
و لا يستطيع أحد أن يُماري في واقعيّة الإمكانيّات الظّرفيّة التي تسمح بها الحرب على هذا و ذاك. 
لقد استبدّت الحرب، إذاً، بممتلكاتها هي ذاتها في السّلم، و لا شيء جديداً بالفعل!
تُساق التّبريرات المزيّفة على "القاعدة" الاجتماعية العامّة، في تسويغات للانحطاط التّاريخيّ المستفحل، أساساً، في الاستسرار؛ و لكنْ أيضاً الذي كان ينتظر له مناسبات من التّفلّت من أجل الانفلات.
الحرب انفلات لممنوعات "السّلام"، و ليست شيئاً آخر على صعيد الأنثروبولوجيا و الثّقافة و التّقليد. هذا ليس مبدأ طارئاً و إنّما هو من المبادئ الأنثروبولوجيّة الثّابتة المُحرّضة على "الاجتماع".. !!؟ و لكن أليسَ "الاجتماع" بذاته مبدأً تجميعيّاً لنزعات و نوازع الأفراد؟
و على رغم ذلك فإنّ "الظّاهرة" التي نبحثها لا يُمكن أن تُبحث في قواعد "سوسيولوجيّة" خالصة، و ذلك لأنّ الأمر، هنا، يتطلّب إدخال "السّياسيّ"، في المسألة، كمكوّن بنيويّ، و هذا ما يتعذّر، فعليّاً، هنا، من جهة أنّ "السّياسيّ" نفسه هو نتيجة للأنثروبولوجيّ في "ظاهرتنا" التي نقرّر عليها البحث، و ليس العكس.
يعني أنّ "السّياسيّ" ليس فيها أحدَ أسبابها، و إنّما هو نتيجة تُخضعه هي في أصل النّشوء.
يشهد على كلامنا ذلك الحجم من التّواضع أو التّواطؤ "السّياسيّ" الذي يدخل في تركيبة "الأخلاقيّ"، و في تعميق هذه "التّركيبة" خدمة للتّقنيّات السّياسيّة في إدارة المجتمعات و منظومات الاجتماع.
لنلاحظ ، في السّياق، أنّ عقدة الدونيّة، أو الشّعور بالدّونيّة، غالباً ما تترافق في "الموضوع" مع ممارسة للاستعلاء (ألفردْ إدلرْ). و هذه نتيجة اجتماعيّة مباشرة لممارسة الاضطّهاد لا تترك لنا مجالاً للشّك بأنّ جذور "الآليّة" في الممارسة و الممارسة التّعويضيّة، هي أقلّ من كونها نتيجة من نتائج الحرب أو من نتائج "السّياسيّ"..
بل على العكس فإنّ ما يوحي به، هنا، الفعل و ردّ الفعل هو أنّه يُبدي لنا تاريخاً من تحوّلات "الدّافع" و الأثر فيما قبل الاستدعاءات الظّرفيّة للتنسيق المعاصر أو الحديث أو التّبادل ما بين الحركة و فضول الحركة في الزّيادة أو النّقصان. 
لا يجتمع الأفراد، أصلاً، على مبادئ من الأخلاق، في ازدحام الحاجة إلى الاجتماع التي تفرضها الضّرورة. إنّهم، بالأحرى، يبتكرون قواعد الأخلاق لتلطيف سلوك الحاكمين (اجتماعيّاً، و ثقافيّاً، و سياسياً) إزاء المحكومين. 
هنا ينشأ في الاتّفاق، أوّلاً، ما يمكن أن ندعوه بأصول النّفاق، لا سيّما إذا أخذنا بالاعتبار مهارات المحكومين في المقايضة السّريّة و غير المعلنة، مع الحاكمين، حول المكافآت التّعويضيّة التي يسمح بها الحاكم كَمِنَحٍ تشجيعيّة للمحكوم لكيّ يُمارس مع الحاكم ذلك النّفاق. 
من أصول "الاجتماع"، إذاً، أن يبدأ الاستقرار الأنثروبولوجيّ على أساس من مبدأ مقايضة الاضطهاد و الدّونيّة و الاستعلاء و الإخضاع.
في هذا الإطار يحسن أن ننظرَ إلى ظاهرتنا في فضائين: 
الأوّل : هو الفضاء الذي يقتضيه التّقويمُ الاجتماعيّ للحرب.
و الثّاني: ما تقتضيه نظائر الحرب من فضاءات في "النّظام العام" الخاصّ (الدّاخليّ أو المحلّيّ)، و العامّ (أو الدّوليّ).
- فعلى الشّقّ الأوّل، نستطيع أن نتنازلَ، قليلاً، و علينا أن نتنازلَ، في الحكم لنقول إنّ الحرب ذاتها تأجّجت أكثر فأكثر في إطار "الاجتماعيّ" بسبب أنّها انتمت، أصلاً، إلى المنظومة القبليّة في "الضّرورة" التي اختصرناها في المعادلة: جواب سؤال. حقّاً لقد كانت الحرب ضرورة كجواب على "أسئلة" إشكاليّة تاريخيّة أعيتِ الأجوبة جميعها باستثناء الحرب. هكذا صار، إذاً، من اللازم أن نُجري محاولاتنا على العكس. أقصد إنّ علينا، اليوم، أن نُعنى باكتشاف أو تدبيج الأسئلة الصّحيحة و المناسبة و الوحيدة و الضّروريّة لتنسحب على "الماضي" كما على "المستقبل".
فالحرب لا تفسّر، مثلاً، بالاضطهاد و إنّما، على العكس، يُفسّر الاضطهاد بالحرب، بوصف الحرب كانت خروجاً من عنق الزّجاجة التّاريخيّ الذي اختنق، طويلاً، في النّفاق و التّواضع و الاتفاق الكاذب و المرذول. 
لقد جرّب الوعي الاجتماعيّ و السّياسيّ، بما فيه وعي "النّظام العالميّ"، كلّ وسيلة أخرى قبل أن تكونَ هذه الحرب "جواباً" عمليّاً على سؤالٍ متأخّرٍ ينبغي علينا أن نسأله اليوم: ليسَ لماذا قامت الحرب، و إنّما على العكس: كيف تأخّرت هذه الحرب حتّى قامت في زمنها الذي كان؟
يُصبح هنا "قانون" الاضطهاد المتبادل، و "الدّونيّة" و "الاستعلاء" و "الخضوع" و "الإخضاع"، كلّ منهم، تكويناً أنثروبولوجيّاً ثابتاً في البنية الاجتماعيّة و الثّقافيّة، و يصبح، تالياً، مبدأ عميقاً من مبادئ الاجتماع الذي كان وسطاً مباشراً للعلاقات المتبادلة التي استطاعت أن تكونها الحرب على مدى عقد من الزّمان حيث ستكون.
في هذا السّياق نحن لم نكن أمام أيّة مفاجأة اجتماعيّة أو ثقافيّة في السّلوك الذي رافق أفعال الحرب. التّردّي النّفسيّ و الأخلاقيّ و البنيويّ و الجماليّ و المسلكيّ، جميعهم لم ينبثقوا من واقع الحرب، كلّا! لقد شكّلوا، بالمجمل، شروطاً دافعيّة و ظروفاً مقارِنة و وَسَطاً "خلّاقاً" لكلّ هذا الانحطاط الذي كان شكلاً آخر، فحسب، للحرب نفسها و لأداءات الصّراع التي بدت أنّها مصقولة بعناية و هدوء و تثقيف تاريخيّ و مديد، ما مكّنها من أن تكون أبعد واقعيّة بما لا يُقاس ممّا كانت بقيّة القيم المتداخلة في بعض المعارف النّحيلة.. ، تظنّ أو ترجو و ترغب!
" أيّة بذرةٍ يحرثها الإنسان سيستوي عودها وتثمرُ في ذاته ؛ فإذا كان نواماً فسيكون كالنبتة ؛ وإذا كان ذا حسّ فسيكون كالبهيمة ؛ وإذا كان عقلانياً فسيكون مخلوقاً إلهياً ؛ وإذا كان مُفكراً فسيكون ملاكاً وإبناً للإله .. وإذا لم يرتضِ بقسمة أي مخلوق ، فسينطوي على نفسه وروحه التي تُصبح واحدة مع الإله ( في عزلة ظلام الله الآب المتعالي ) وسيتجاوز كل المخلوقات " [ الفيلسوف الإيطالي جيوفاني ميراندولا ( ١٤٦٣-١٤٩٤م ) ].
لا تفسّر الحرب بأسئلة، دائماً، كما هو الأمر بالنّسبة إلى جميع النّتائج البشريّة التي يتراكم فيها المغزى تراكمَ الحرارة في الماء الغالي، فينفجر ما تعمّل طويلاً بصمتٍ، حتّى يُعبّرَ كما يقتضي كلّ شيءٍ التّعبير. و هذا ما ذهبت إليه هذه "التّرتيلة القروسطيّة" من القرن الخامس عشر الميلاديّ.
- و أمّا على الشّقّ الثّاني: فإنّه كما أنّ للحرب ممارساتها المعلنة و غير المعلنة، قبل الصّراع المسلّح و في أثناء هذا الصّراع و ما بعده، في حقلها الأليف.. ؛ فإنّ لها نظائرَها في الفضاءات البعيدة أيضاً. و هذه النّظائر غالباً ما تأخذ شكل المحفّزات و صرت القرابة الحقيقيّة في "المصاهرة" السّياسيّة للصّراع، كما كان الأمر في "سفاح القربى" الاجتماعيّ الدّاخليّ الذي لا يُشكّل بمفرده نظام القرابة العالميّ.. !!؟ (و هذا تنويع على "نظام القرابة في التّاريخ" المبحوث عند فرويد و فريزر و ستروس و دو سوسّير و غيرهم!).
لقد تجلّت "القرابة العالميّة" في أنثروبولوجيا الحرب، إذاً، في فضاءات هي أيضاً كانت "جواباً" مُسبّقاً في منظومة "الجواب- السّؤال" التي أشرنا إليها أعلاه.
رعَت هذه "القرابات" الوطيدة مع الصّراع، مؤسّسات و هيئات عالميّة قامت، في الأصل، لتنظيم و إدارة الحروب و الصّرعات، و ليس العكس. أعني أنّها لم تكن قامت من أجل الوقاية من الحروب أو لمعالجتها كأمراض في الأنثروبولوجيا البنيويّة التّاريخيّة للمجتمعات و الأفراد. إنّ الثّقافة- السّياسيّة العالميّة قد نضَجتْ بذكاء وصفيّ تجاوز الأخلاق نحو ما يُشبه "الدّعارة" السّياسيّة أو "العهر السّياسيّ" على حد عبارة (لينين).
لقد رأينا هذه الاحتفاليّة الفضائيّة السّياسيّة المهولة، الدّاعمة و المنظّمة و المنسّقة للحرب، في "منظّمة" (هيئة!) "الأمم المتّحدة" و في "مجلس الأمن " الدّوليّ. إنّه لا تصحّ المقاربات العقلانيّة لوصف هاتين "الهيئتين" إلّا على أساس أنّ كلّاً منهما آلة متقنة لتأجيج الأسباب التي تنزرع في تكنولوجيا الحروب المعاصرة. عالمنا عنيف و لا يحيى من دون العنف.
كانت ثمّة منظّمات مرادفة و رديفة للمؤسّسات "القوميّة" التّابعة للدّول الكبرى، لإدارة الحروب بالكفاءات المتميّزة، و التي منها "المجلس العالميّ لحقوق الإنسان" (المفوّضيّة السّامية لحقوق الإنسان) [منظهمة حقوق الإنسان العالميّة] (هيومن رايتس ووتش)، و لجان التّحقيق الدّوليّة"، و "المجلس العالمي للأمين العام لمنظمة العفو الدولية".. ، و غيرها من منظّمات و آليّات تأجيج الصّرعات العالميّة المعلنة منها و الخفية و المستترة كمؤسّسات المال العالميّة الحاكمة لاحتكارات التّبادل الاقتصاديّ لمعطيات السّلم و الحرب، كالبنك الدّولي كوكالة متخصصة في "الأمم المتحدة" تُعنى بتنمية الحروب و الصّرعات أكثر ممّا هي تُعنى بالتّنمية البشريّة المسالمة أو المُستدامة، و "صندوق النّقد الدّوليّ" كوكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، تُعنى بتخريب الاقتصاد العالميّ و دفعه نحو الاستثمار في القوّة و العنف بدلاً من أن يكون لرعاية سلامة الاقتصاد العالميّ. و غيرها من الهيئات و المرجعيّات "القانونيّة" الدّوليّة المعروفة و غير المعروفة..
لا يكتمل، طبعاً، "نظام القرابة" العُنفيّ الذي نقوله، هذا، ما لم تقوم حلقات الوصل و التّواصل ما بين "المحلّيّ" (الدّاخليّ) و العالميّ (الدّوليّ). و في هذا الإطار المركّب، فقط، يمكن لنا أن نقف على معانٍ متعدّدة كالتي تأخذ شكل قانون تبادل "الاضطهاد" و "الدّونيّة" ، و "الاستعلاء" و "الخضوع" و "النّخبة" و "الرّعاع".. ، و التي لا يُمكن أن تعرّفَ أو أن تُفهمَ - كما بيّنّا- إلّا في إطار "المنظومات" العالميّة التي علينا أن نتفهّمها قبل أن نخوض في "التّقويمات" الأخلاقيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة..، إلخ؛ العقيمة؛ و التي لا تُفضي إلى شيء ما لم تؤخذ بهذه "التّشكيليّة" العباريّة العالميّة المعاصرة، بخاصّة، و التي كان لها، دوماً، ما يُشبهها في تاريخ الأنثروبولوجيا التي تتيح لنا الوقوف على "تطوّر" مفهوم العنف "الإناسيّ" الذي يُجيبنا، مسبّقاً، على الكثير من الأسئلة المتعلّقة ب "السّياسيّ" على وجه الحصر.. ! 
في النّتيجة لا يمكن للثّقافة الإحاطة بمضامين القوانين الاجتماعيّة التي تستقرأ "الظّاهرات" المختلفة و المتعدّدة، ما لم نكون قادرين على ربط المتطابقات في العوامل، و اختزال الأبعاد الوهميّة التي تبدو على أنّها مسافات فاصلة في نشوء و تطوّر التّبادل العالميّ، و الذي هو يحكم "السّلعة" كما يحكم "الأفكار". 
دعونا نتخلّصْ، إذاً، من تقاليد أوهام الطّيبة الإنسانيّة و التي يُلحق بها صنوفٌ من المشاعر، فحسب، من الصّنف الذي لا يمكن له أن يشكّل قواعد ثابتة أو مفاهيم ثابتة يمكن أن تكون محلّاً لليقين أو صالحة للتّداول الشّرطيّ في منظومات الدّلالة المعروفة.
ثمّ دعونا لا نُصدرْ أحكامنا الجزافيّة على ما لا تُحيط به العبارة الثّقافيّة المتداولة، لنستطيع أن نقف على حدود البساطة البشريّة من حيث هي واقعٌ طبيعيّ و غريزيّ و فطريّ لا يحتمل التّبويب النّظاميّ اليوميّ ما لَم يدخل في لغة "السّياسيّ"؛ و عندها، أي عندما نكون في فضاء "السّياسيّ"، فإنّ النّسق الفكريّ كلّه يصبح بحاجة إلى إعادة الاستبدال بواسطة نسقٍ جديدٍ لا تقع فيه "الأخلاق" العُرفيّة في أيّ مكان. و عندها، أيضاً، علينا أن نتداول لغة أخرى من لغات الوجوب المخفّفة التي يدخل فيها عوامل و مجاهيل جديدة تصبح غير قابلة للإثبات إلّا وفق حلول أو براهين تنتمي إلى فضاء "الضّرورة" الوجوديّة أكثر ممّا هي تنتمي إلى فضاء "الوجوب" الشّعوريّ المبنيّ على الألم الوجدانيّ و مشتقّاته في عواطف الاستحواز القهريّ.
يَحسُنُ بنا، على كلّ حال، من أجل سهولة توصيل هذا الخطاب إلى أوسع فهم كمّيّ ممكن، أن نقول بأنّ كثيراً من "النّتائج" الظّاهريّة إنّما هي أشياءٌ من قبيل "الأسباب" على ما يُحبّ أن يفهم الكثيرون، ذلك أنّ فلسفة "الأسباب" نفسها هي ممّا لا تَطيقه الثّقافة الدّعيّة التي يتألف منها المخيالُ الاجتماعيّ. 
ينطبق هذا، تلقائيّاً، و بحكم التّداخل و المخالطة في العوامل و المكوّنات، ينطبق على جميع ما نصادفه من حاجات للتَبيّن في الأوقات التي يصعبُ فيها على الكثيرين أن يتموضعوا في مواضع الموضوعيّة الخالصة!
و بالعكس، فإنّ حشداً من "الأسباب" المزعومة ثقافيّاً و إعلاميّاً- و أكثرَ- إنّما هي من محصّلات النّتائج التي غالباً ما تترتّب على "مجاهيل" مزعومة، مع أنّها ليست هي كذلك في مضامير اليوميّات التي ليسَ لها من يقرأها على ما ينبغي للقراءة أن تكون.
يتّجه العالم "ما بعد الحداثة" إلى إعادة نقد مفردات "قيم الحداثة"- و بخاصّة منها "الإنسانويّة"- و مفاهيمها اليقينيّة، على أساسٍ من واقعيّة المعطيات. و من الطّبيعيّ أن نساهم جميعنا في إعادة تشكيل "قاعدة البيانات" المعاصرة..
و الحرب هي مناسبة من مناسبات السّلام الضّائعة حينها في التّخنّث الثّقافيّ و الاسترخاء... !!؟


جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2018 - 2013