الصفحة الرئيسية الدراسات والتوثيق


الثّابت و المتحوّل .. و المدلول ، و نقطةُ نظام معاصرة ! | بقلم:
الثّابت و المتحوّل .. و المدلول ، و نقطةُ نظام معاصرة !

17-02-2018 - 306

مواضيع ذات صلة:


 



 سلسلة الفكر الاستراتيجي - الحلقة الثالثة -

تقوم تجربة الإنسانيّة في الوجود بالاتّكاء على " مظاهر " قلّما تستوقفنا بجوهرها ، في اعتباراتنا ، أثناء انخراطنا في تعقّد و انسيابات التّنوّع و التّوالي ؛ مع أنّنا غالباً ما نلجأ إلى التّعمّق في مغزاها في أوقات نمرّ بها ، جميعنا ، في حياتنا اليوميّة ، أو في غير ذلك ، من التّأمّل و المراجعات. 
هكذا يحكمنا في الحالتين مبدأان من الاطّلاع على " التّحوّل " و " الثّبات " ، فيما نحن متأكّدون فيه من شيءٍ ( أمرٍ ) يَخضع له مجموع عناصر كوننا المحدود ، اتّفقت التّجربة مع الحدس على أنّه قانون " ضروريّ " : 
إنّه " السّيرورة " من وجه مؤكّد ، بينما هو " الصّيرورة " من وجه " خلافيّ " لغويّ و فلسفيّ .
ليست المفردات التي يستخدمها " المفكّرون " و " الفلاسفة " و " السّاسة " سوى مفاهيم تعبّر عن تجربة اجتماعيّة و إنسانيّة .. نحن مأخوذون عنوة في الفلسفة عندما نتساءل : ما الحقيقة؟ و هذا شأنٌ معرفيّ . 
و كأنّنا كذلك نعيش تحت رحمة السّياسة و الأخلاق : ما العدالة ؟ و ذلك شأنٌ سياسيّ . 
و نحن شئنا أم أبينا نعيش ، أيضاً ، في حضرة التّأمّل في الخلاص : ما هو الأفضل و الأطيب؟ و ههنا يتعلّق الأمر بالحقّ و الجمال .
في التّاريخ انشغلت " الفلسفة " بدافع إنسانيّ ، فرديّ و اجتماعيّ ، مركّب : وجوديّ - سياسيّ ، بمفهوميّ " التّحوّل " و " الثّبات " .. كان ذلك جرّاء المفارقات " الضّروريّة " التي يحياها الإنسان في العمل و الأخلاق.
هذا الأمر شقّ طريقه إلى " المعرفة " بالضّرورة.. و هكذا انقسمت الفلسفة منذ " البدايات " على " المفهوم " ، هذا إن لم تكن جميع فلسفات التّاريخ قد انقسمت على " المفاهيم " ، ظنّاً منها أنّها تُعنى ، في سياق ذلك ، بالمقولات.
لا مانع هنا من أن نذكّر بقضيّة تفوت الكثيرين و هي أنّ أوّل الفلسفات المعروفة في " حاضِرَتِنا " هذه ، إنّما هي فلسفات قامت على " الرّيبيّة " : skepticism جرّاء تنوّع الإجابات التي كانت تنهض أمام الأسئلة الوجوديّة الكبرى.. هذا يُخالف الكثير من المحفوظات الفلسفيّة التي تصنّف " الرّيبيّة " كمدرسة فلسفيّة.
يتّصل بذلك أنّ " المتفلسفين " الهواة يلجأون إلى إدخال " العدميّة "( النّيهليستيّة : nihilism ) و " الفوضويّة " anarchism ، في إطار" الرّيبيّة " ، و ما إليها من طرائق في " المنازعة " على المظاهر و الظّواهر و الواقعات ؛ مع العلم أنّ الأمر ليسَ صحيحاً لا في هذه الجزئيّة الأخيرة و لا في تلك الأولى ، أيضاً. 
أعني أنّ " الرّيبيّة " ليست مدرسة فلسفيّة ، و لا كذلك هي تستغرق تلك " الطّرائق " ( أو النّزعات ) في التّعبير و التّفكير .. إنّها بالأحرى طريقة إنسانيّة ، شبه وحيدة ، في الانتماء.
نحن هنا نكاد " نجزم " ، تماماً - لولا ما سنقوله ، الآن ، مباشرة ! - بأنّه ما من نشاطٍ أو فعلٍ أو عمل إنسانيّ ، بالعموم ، إلّا و هو ينطلق من ، و يقوم على ، " الرّيبيّة " نفسها ، و ذلك في جميع مراحل " الكينونة " و " التّعيّن " ، و في أثناءِ كلّ " علاقة " لنا من علاقات " التّشتّت " ( Dispersion ) ( بالمفهوم الحضاريّ ) أو من علاقات " التّعبير " ( Expression ) ، بحضورنا في هذا العالم في " المكان " و " الزّمان ".
كان ( إنكساغوراس ) ، الفيلسوف الإغريقيّ المبكّر ، قد أكّد على كلّيّة الإله الواحد ( العقل الأبديّ : نيوس ) و مبدأ " الذّرات " التي تؤلّف مادة الكون .. كان ذلك قبل ( أفلاطون ) و ( أرسطو ) كعقليين .. و قبل ( ديموقريطس ) الذّريّ ..كان الأمر هنا و هناك ، يتبدّى باكتشاف " الثّبات " في معرضِ " التّحوّل " العرضيّ و العابر .. " العقل " ثابتٌ و " الذّرات " في تحوّل و تركيب .
 ( هيروقليطس ) ، فيما بعد ، وجد أنّ كلّ شيءٍ في تغيّر أبديّ و صيرورة ليس لها قرار .. كلّ شيء في تغيّر مستمرّ. غير أنّ غموضه و أسلوبه التّعبيريّ " التشبيهيّ " و " الإستعاريّ " البُكائيّ ، ربما أنّه كان يعكس إيماناً عميقاً بمفارقة " الدّلالة " في الثّبات أو الوضوح.
لا أحد يجرؤ على هذا القول ، إلّا أنّنا سنغامر به كافتتاحيّة في فهم " الثّبات " و " التّحوّل " في " التّضمين " الدّلاليّ لكلّ منهما.و سوف لا نقف بالتّالي عند " الفهم " العامّ لكلّ من " الثّابت " و " المتحوّل " كما درجت عليه عادات التّفكير و الأفكار.
في سياق ذلك ، و معاصرة لهيروقليطس ، كان ( بارمينيدس ) ، الفيلسوف الذي قال بتغيّر الظّاهر و " تحوّله " مع " ثباته " المطلق .. لا " شيء " عنده في تغيّر .. كلّ شيءٍ في ثبات .. و هكذا لا يصلح " الظّاهر " للعلم أو للمعرفة أو للقياس !.
و عليه تعلّم ( زينون الإيلّي ) و قال ، و درج على أستاذه ( بارمينيدس ) .. و بعدها بقليل جاء ( سقراط ) ليقول إنّ المعرفة لا تقوم من دون " المفاهيم ". 
" المفاهيم " هي لغة " العقل " ، هي لغة " العالم " و " الكون " .. و الأمر هنا ، كما يبدو للقارئ الحصيف ، لا يتجاوز كونه " ريبيّة " كبيرة ، أيضاً ، من حيث استبعاد الدّور " الإنسانيّ " المباشر في " المعرفة " ، و إرجاء " الذّات " - الإنسانيّة - إلى ما هو تابع أو ملحق بالمفاهيم.
نحن - وفقاً لسقراط - ندرك " العالم " و ندرك " ذواتنا " عن طريق " جدل المفاهيم " و إمكانيّتنا في " التّواضع " أمام " الحقيقة .
نحنُ قلّما نعرف ، و لهذا علينا تفويض أمرنا إلى " الحكمة " التي بدورها لا تنشقّ عن أنّها الموقف الأبقى ، في المعرفة ، الدّال على " الشّك " العميق بالظّواهر.
هذا درسٌ آخرُ في تأسيس الفكر الغربيّ و الفكر العالميّ القائم على جدليّة " الثّابت " و " المتحوّل " في علاقات الإنسان بالواقع و " الأشياء ". 
في إجمالي التّجاور و التّعاقب الزّمنيّ للفلسفة في ربوعها الأولى ، في حضارتنا هذه ، في اليونان القديمة ، نلاحظ حجم " الرّيبيّة " العميقة التي طبعت نواة فلسفة العالم ، و التّاريخ ، و مهدها المبكّر عند عمالقتها الكبار المؤسّسين. 
يقترح أول فلاسفة اليونان " المنظومَويِين " الكبار أمثال ( أفلاطون ) و ( أرسطو ) أن الكون محكومٌ بتناغم و انتظام و عدالة : ( الكوسموس ) ( Cosmos ).
و كأنّنا هنا نتقدّم في الزّمن نحو الحاجة إلى اليقين .. إنّ كلّ بناءٍ يرغب في " الدّيمومة " و " الدّلالة " و البقاء و التّأثير ، إنّما يحتاج ، أوّلاً أو ثانياً ، إلى إدراك " الأشياء " بثباتها النّسبيّ.
غير أنّ " الثّابت " النّسبيّ هو ليس كذلك عندما يتعارض ، في سياق اليقين ، مع الحاجة الأكيدة إلى "التّحوّل" و " التّجاوز ".هنا قفزنا قفزة زمنيّة كبيرة من ( أفلاطون ) و ( أرسطو ) ، في ما قبل الميلاد، إلى ( هيغل ) في القرن التّاسع عشر الميلاديّ ، الذي قال بمثل ماقلناه أعلاه ، على أنّ " التّفاوت " بين " الثّابت " و " المتحوّل " هو ليس رهناً لمزاجيّة أو نزعة ذاتيّة أخرى في الفهم و الإدراك ، و لكنْ بما هما محكومان بقانون " الضّرورة " العقليّة التي تنسرد في تطوّر " الفكرة " الكلّيّة ، نفسها ، من حيث هي قصّة فوق زمنيّة يحكمها قانون " الدّيالكتيك " ( الجدل ) الشّهير ، عنده ، و القائل بثلاثيّة " المركّب " و " النّقيض " و " القضيّة " الجديدة التي تدخل في تركيبة ثلاثيّة أخرى من جديد ، لتكون " مُركّباً " أوّليّاً ، من ثمة ، في " تجادلٍ " جديد.
يخطئ الجميع تقريباً ، باستثناء الفلاسفة الحقيقيين و العقلاء و الأنبياء.. و قادة الفكر التّاريخيين و أمثالهم من العظماء ، في النّظرة إلى مغزى الحياة.
ليست الحياةُ هي هذا الرّدح من الزّمن الذي يقتطع مِنّا وجودَنا على هذا النّحو أو ذاك ؛ فيما نندمج نحن فيه من المكان و الزّمان دون أن ندري " دوافعنا " في التّشبّث بما يُشبه الأبديّة في العيش ؛ و إنّما تمتدّ الحياة ، حتّى على مستوى الفرد الواحد ، إلى " الفكرة " منها : و هي ما يكمن وراء عالمنا هذا فيما هو ثابتٌ و مستمرّ ، و لو بدا لنا أنّه متحوّلٌ أو متغيّرٌ أو يكاد .
و مع ذلك فإنّنا لا نستطيع " البناء " على أيّ " يقين " نحتاجه في " الاستمراريّة " و " السّيرورة " ، من دون أن ننظرَ إلى " الأشياء " باعتبارها تتفاوت في " التّحوّل " و " التّجوّل " و " الثّبات " ، و لكنْ على عكس ما ينظرُ إليه الكثيرون في الأمر . يمكن أن ننظر في هذا الأمر من جانب فلسفيّ على ماقلناه ، مع العلم أنّنا نحتاجه من باب يوميّ ، أيضاً ، و ذلك بالنّظر إلى التّفاوت الواقعيّ ما بين " الفلسفيّ " و " اليوميّ " ، في معرضِ " الموضوعيّة " ( Objectivity ) في الأحكام على أفعالنا المقترنة بأهداف و أغراض اجتماعيّة و سياسيّة ، تكون فيها المرجعيّة الحاكمة هي مرجعية " المصلحة العامّة " أو " مصلحة المجتمع " و " الضّرورة " ، مع تجاوز المصالح " الفرديّة " ، أحياناً ، عندما تتعلّق بأفراد قلّة لا يشكّلون ، في الاعتبار " العامّ " ، أيّة " مصلحة " دائمة للمجتمع أو للدّولة أو للأمّة . 
إنّ هذه " الاعتبارات " أو " التّعبيرات " هي كنايات عن أفكار أجلَّ و أبقى من قيمة الفرد .. نحن ، ههنا ، ندخل من باب الواقعيّ و المباشر و المهمل في التّفكير ، و علينا ، لذلك ، أن نتريّث طويلاً في التّفريق ما بين " الثّابت " و " المتحوّل " في مناسبات و ضرورات الأحكام.
لم تثبت المنظومات المفهوميّة أو الثّقافيّة في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة ، بعدُ ، أنّها صالحة لمواكبة الأحداث السّياسيّة الكبيرة و الانعطافيّة في التّاريخ الحديث و المعاصر.. 
هذا جزءٌ ليس من " الثّابت " كما يحلو للبعضِ تصوّره ، و إنّما هو جزء من " الإستحالة " الخطابيّة التي تستولي على " التغيّرات " لتجعل منها ملحقاً بنسق غير تاريخيّ للتّفكير.
فالثّبات و التّحوّل لا يدخلان ، إذاً ، في " النّتائج " ، و إنّما يدخلان في " الأدوات " .. إنّها طريقة التّفكير و عَقدِ " التّحالفات " مع صورة الّلغة و حالات الاحترام أو الاحتقار لضرورات التّعبير ، ناهيك عن العجز التّقنيّ الذي تسببت به " ماضويّة " التّعبير في المنظومة " الكلاميّة " الإسلاميّة التي تنطّحتْ إلى أن تكون بديلاً للفلسفة.
إذاً ، يمكن القول إنّ " الثّابت " - بما فيه " السّياسيّ "! - هو تلك " الخرافة " التي يفضَل " الكثرة " أن يردّدوها باستمرار ، على أن يستطيعوا تأليف " الواقعة " التي يعيشونها ، من جديد..
ليسَ للكثرة " الشّعبويّة " أيّة طاقة على التّفرّغ ، و لو لأمدٍ يسير ، من أجل " التّواضع " أمام " الضّرورة ".
إنّهم مأخوذون بنفايات " الماضي " الذي يُكرّرهم ( تكريراً و تكراراً ) ليُعيد إلحاقهم بالمادّة الخاملة التي تصنع الماضي .. هذا هو " الثّابت " - السّياسيّ - و " الثّبات ".
و في المقابل من ذلك ، يكون "التّحوّل" و "المتحول"
باختصار .. فالتّحوّل ليسَ شيئاً " إبداعيّاً " ، مثلاً ، كما يذهب ( أدونيس ) ( في كتابه " الثّابت و المتحوّل " ) ، في مقابل " التّقليد " أو " الإتّباع " الذي ينسبه إلى " الثّبات ".. ؛ و إنّما " المتحوّل " هو معايشة العالم الذي ينساب فينا ، معايشة جريئة ننتسب إليها كما نحن ننتسب إلى أعمارنا و أسمائنا على الخصوص . [ أدونيس - الثّابت و المتحوّل .. بحث في الإبداع و الإتّباع عند العرب - دار السّاقي - بيروت- لبنان ].
 [ لا يصلح كتاب ( أدونيس ) ، " الثّابت و المتحوّل " ليكون مدخلاً مناسباً إلى الحديث على " الضّرورة " الدّلاليّة التي تتحدّانا ، اليومَ ، في معرض الحاجة إلى فهمنا " التّحوّلات " السّياسيّة الكبيرة التي نعاصرها في " نهاية " هذه " الحرب العالميّة ". و هي ، أيضاً ، لا تشكّل لنا أيّة مناسبة ذات جدوى للدّخول في سياق هذا " الحدث " العالميّ الكبير. 
لندعْ ، إذاً ، هذه " الاستعراضات " التي يسلكها " المثقّفون " ، اليومَ ، لانتسابهم إلى لغة " المعاصَرة " السّياسيّة عن طريق التّمسّح بأدونيس أو غيره ، تمسّحاً ثقافيّاً شكليّاً ، و لنقرّرْ أنّ ( أدونيس ) نفسه ما كان ليضع نفسه في هذا الاختبار بواسطة مؤلّفه المذكور.
أدونيس شاعرٌ و أديبٌ كبير و ليسَ فيلسوفاً سياسيّاً أو مرجعيّة اتّفاقيّة في الثّقافة السّياسيّة المعاصرة.
يلخّص ( أدونيس ) فكرة " كتابه " بإيجاز في أنّ " المعرفة " هي بالرّأي و ليست بالنّصّ و الخبر .. هو يتحدّث على " الأدب العربيّ " و " الشّعر العربيّ " و " الّلغة العربيّة " و " صدمة الحداثة في الشّعر العربيّ ".. إلخ ؛ و باختصار على " التّراث العربيّ " كما يقول هو نفسه ، فيما يُماهي ما بين " القِدم و الحداثة " ، من جهة ، و " الثّابت و المتحوّل " ، بالضّبط - الجزء الأوّل- ص ( 47) ].
لا يُبحث " الثّبات " و " التّحوّل " ، في المبدأِ ، انطلاقاً من " القِدَمِ" و " الحداثة " .. هذا اشتباه دلاليّ ليسَ أكثر .. و يبدو التّمايز أكبرَ بين " الدّلالات " عندما نأخذ بعين الاعتبار قضيّة أنّ " التّحوّلات " التي تطرأ في مجرى " الحداثة " قد لا تتعدّى أمر كونها " استحالات " شكليّة أو مضمونيّة لثوابت " مقدّسة " في " الثّقافة ". 
و هذا يُعيدنا ، من جديد ، إلى حقيقة أثرناها ، سابقاً ، على هذه " الصّفحة " ، تؤدّي إلى الحاجة إلى تمييز احتكار " المقدّس " الرّمزيّ لجميع صنوف الضّرورة " الدّنيويّة " ، و منها " السّياسيّة " ، و لو جاءت هذه " الاحتكارات " في صيغة " منظومات " تعبيريّة " حداثيّة " .. نستطيع أن نمضي بالأمر ، ربّما ، إلى مثال " الثّورة " التي تُحدثها قوى " حداثيّة " في الواقع ، و بكلّ " التّصنيفات " الثّقافيّة - السّياسيّة التي تساندها في " المجتمع " و " العالَم ".. 
في الوقت الذي تحمل فيه هذه " الثّورة " مضموناً نكوصيّاً و طاقة سلبيّة سكونيّة و رجعيّة ، كتحوّلاتٍ تتحدّى فيها الكثيرَ من " الثّوابت " المصيريّة للأمّة و المجتمع و الدّولة..
فيما تقيمُ هذه " الثّورة " السّدودَ أمام " التّحوّلات " الحقيقيّة التي تختزن " ثوابتها " في جدليّة " الثّابت " و " المتحوّل " في مجرى التّاريخ .
إنّ " الثّابت " و " المتحوّل " ليسَ كلٌّ منهما اختياراً " جماليّاً " أو " أخلاقيّاً " أو " حَرَكِيَّاً " فارغاً كما تدّعي ذلك ثقافات " المعاصَرة " بكلّ تخرّصاتها الطّائلة ، و إنّما هو " معرفةٌ " واسعةٌ و عميقة باتّجاهات " القوّة " و " السّلطة " و " الاستراتيجيّات " في الموقف المعاصر من العالم و التّاريخ.
و طبيعيّ أنّ هذا لا يخرج عن إطار فهم " الضّرورة " التّاريخيّة التي لا يستطيع حمل لوائها إلّا " الأبطال " التّاريخيّون ، من كلّ صنوفهم..
بالإضافة إلى " الانتماء " إلى الحظيرة التي يؤطّرها ذلك الإطار .. و هذا أمرٌ لا يخضع ، أبداً ، للتّجربة الثّقافيّة و الخبرة التّقليديّة بمفاهيم " الصّراع " ، و إنّما هو يتجاوز ذلك إلى انقلاباتٍ عموديّة في " الوعي " تقودها مجموعة من " الدّوافع " التي تعي ذاتها في " محفّزات " تاريخيّة تحمل طابع " التّحدّي " التّاريخيّ للإجماع و الرّأي و " العقل " ، و بخاصّة كما قد فُهم هذا الأخير في نور " العقلانيّة " التي تعلو على " التّكرار ". 
من الواضح أنّ الاتّفاق على " المدلول " في المنظومات الدّلاليّة المُستحدثة على إيقاع إدراك " الغاية " في الممكن و الضّرورة ، هو أمرٌ صعبٌ في عجالة كهذه .. و لكنّ ما يمكن تقريره ، الآن ، على الأقلّ ، لا يتطلّع إلى القول أكثر من أنّ يقول إنّ " الثّابت " نفسه في تاريخ الشّعوب هو إمّا أن يكون " مرغوباً فيه " ، تبعاً للحاجة و الوعي ، و هذا ما يحتاج ، بالبداهة ، إلى قادة تاريخيين ؛ و إمّا أن يكون ممّا هو عبء على حركة المجتمعات و الأفراد ، و لو لم يدرك هؤلاء أنّهم وقودٌ رخيصٌ لتحريفات " السّياسة " للضّرورة التّاريخيّة ..
هذه التّحريفات التي تُقدّم ، عادة ، في آنيةٍ براقةٍ تثير الشّهوة و الفضول ، و تبعث على اختيار شرب السّمّ بالإناءِ المُثير!.. و يُقالُ الأمر نفسه على " المتحوّل ".
فبعض " التّحوّل " مسوخيّة إنسانيّة و أخلاقيّة ، و بعضه صفاءٌ و نقاءٌ و اختلاف و امتياز..
الأخطر ، هنا ، هو أنّ " السّياسة " ضجيج عارمٌ في عصرنا ، يتداخل فيها " النّظام " و " الفوضى " و " الثّقافة " و " الإعلام " ، إلى درجة قد تختلط فيها مختلف تلك الحالات من الثّبات و التّحوّل ، فيعجز " التّمييز " العامّ عن أن يتمكّن من اصطفاء " الحقائق " التّاريخيّة الموجبة لصناعة " الحرّيّة " في " الاختيار ". 
في السّياسة ، فحسب ، يستطيع الأفراد و الدّول أن يختاروا ما بين " القيد " و " الحرّيّة " إلى أبعد ما يمكن للتّصوّر أن يصلَ و يكون.
نحن ، إذاً ، أمام واقع شاسع من " الدّلالة " التي يتضمّنها كلٌّ من " الثّابت " و " المتحوّل " .. و يغدو هذا الواقع أكثر تركيباً ، أعقد ، عندما نحتاج إلى - و نحن نحتاج إلى هذا - التّطبيق العمليّ لوعينا بهذا الواقع.
و الحاجة الأوسع و الأكثر إشكاليّة ، في ذلك ، إنّما هي الحاجة إلى إدراك مغزى " الحدث " السّياسيّ العالميّ ، فيما يُحيط بنا في هذه الحرب التي تتناهى بقوّة معلّلة بالتّفوّق التّاريخيّ للسّياسة السّوريّة ، بما يتضمّنه هذا " التّفوّق " من دروس و اعتبارات لم تعد خافية على أحد في هذا " العالم ". 
يحمل " الثّابت " ( Standing ) ، في " المدلول " ، عناصر الخيارات المصيريّة للأمم و الشّعوب و القادة و الأفراد ، بقدر ما يحمله ، من جانب آخر ، من جمود و رسوخٍ للسدّود و الانقطاعات السّياسيّة و الاقتصاديّة و الثّقافيّة التي كانت وراء التّناقضات الاجتماعيّة ، التي جعلت من " التّخلّف " التّاريخيّ الذي عبرناه ، في هذه الحرب ، أمراً ممكناً و واقعيّاً.
و إذا كان " التّجانس " التّاريخيّ الذي بشّرت به نتائج هذه الحرب ، يقتضي حالة واسعة من حضور و إنجاز هذا " المتحوّل " ( Mutative ) الواقعيّ و الرّمزيّ ، التّاريخيّ - السّياسيّ ، الذي من المفترض أن يكون هو " المجتمع " ، و لكنْ مع خطورة التّحوّلات الاجتماعيّة و " الأخلاقيّة " في البنية الرّمزيّة نفسها ، تحت ضغط " الألم " و " الحِداد " الاجتماعيين الواسعين ، و التي قد تتيح ما هو غير مرغوب في مستقبل الإنجاز.
هذا بالضّبط ما قصدناه ، في السّياق ، من القابليّة الأصليّة لوقوع " المدلول " الثّقافيّ لكلّ من مصطلحيّ أو مفهوميّ " الثّابت " و " المتحوّل " ، في التّركيب.
و أمام هذه " الإشكاليّة " الدّلاليّة ، ليسَ لنا إلّا أن نحتفظ بحقّ " المعرفة " في حسم ما يعترض " الثّقافة " الجماهيريّة من " عوارضَ ".. أو " أعراض " .. و لا يمكن أن ننهي هذا الحديث في نهاية واقعيّة تناسب حاجتنا إلى القراءة ، إلّا بإعادة دمج أفكارنا السّابقة على " الثّابت " و " المتحوّل " ؛ من حيث هما مفهومان إشكاليّان في الإسقاطات الثّقافيّة التّاريخيّة ؛ في نسق جديد آخر من الأفكار التي نأخذ فيها بالمضمون " النّسبيّ " و المتفاوت للمفهومين.
يُشير معجم ( لالاند ) الفلسفيّ إلى أنّ " العَرَضَ " هو كلّ ما يتساوى فيه التّصوّر الواقعيّ من إمكانيّتيّ " الوجود " و " الّلاوجود ". 
و سوف يُساعدنا هذا ، من جديد ، على تحديد " المدلول " التّاريخيّ لعناصر و مُحدِّدَات " الثّبات " و " التّحوّل " في قراءة النّتائج السّياسيّة - الثّقافيّة لهذه الحرب.
و على أساس ذلك ، لنا أن ننظرَ إلى " الإنجاز السّوريّ " ، في إطار " النّظام العالميّ " ، بصفته " تحوّلاً " جوهريّاً في ثقافات الصّراع العالميّ ، كنجاحٍ تامّ في اختبارٍ عالميّ للثّقافة التّاريخيّة السّوريّة ، من حيث هي ثقافة حضاريّة أثبتتْ جدارتها التّكوينيّة و البنيويّة و الهيكليّة ، إنْ على صعيد " روح العصر " أو على قدرة المجتمع السّوريّ على استيعاب الصّدمات الثّقافيّة أو على القدرة الثّقافيّة السّوريّة على الصّمود ، دون الإنزلاق إلى الحرب الأهليّة ما بين مكوّنات المجتمع ، أو على صعيد تماسك الدّولة في النّظام السّياسيّ الذي أثبت آليّاته المرنة في المؤسّسات السّياديّة السياسيّة ، و في قدرته على التّعبير عن المصلحة التّاريخيّة للشّعب السّوريّ و على تمثيل هذا الشّعب ، بغضّ النّظر عن الاتّجاهات الاجتماعيّة الانحرافيّة ، التي أقامت جسورها مع " الماضي " و الثّابت من العناصر التّكوينيّة الجامدة ذات المظاهر الخاملة تقليديّاً التي كان تمثيلها ، و لا يزال ، يقع في خارج فضاء منظومة الدّولة السّوريّة ، سواءٌ داخل الجغرافيا السّوريّة أو خارجها.
و أمّا في الدّاخل ، فعلينا أن نقرأ مجريات الأحداث على أساس " الثّبات " في مجموعة القيم الرّوحيّة للفئات التّقدّميّة في المجتمع ، و التي استطاعت أن تختزل مشروعها ليكون مطابقاً مع مشروع " الدّولة " السّوريّة ، من حيث انتماء كلّ من المشروعين إلى المستقبل. 
هنا كان واضحاً أنّ " التّجانس " الذي حقّقة المجتمع و الدّولة في علاقة مصيريّة ، إنّما كان نتيجة توفّر " الثّابت " التّاريخيّ من القوّة المرتبطة بالحقّ ، و لبيس العكس..
أعني أنّ ذلك المظهر أو المحصّلة لم تعكس " تحوّلاً " بقدر ما هي عكست " الثّوابت " المصيريّة نفسها ، تلك التي لا يمكن لها التّجزّؤ أو التّجزيء.
بينما كان الأمر أكثر تعقيداً في مسألة بروز فلسفة جديدة للدّولة جمعت آثار كلّ من " الثّابت " و " المتحوّل " في فلسفة السّياسة..
لقد تجاوز الأمر كلا مفهوميّ " الثّبات " و " التّحوّل " في منهجيّة " عميقة " للدّولة الوطنيّة السّوريّة ، حتّى صار ممكناً تصنيف النّظام السّياسيّ في سورية ، على أنّه من " الأنظمة " السّياسيّة " العميقة " في قائمة النّظم المعاصرة .
أرمي هنا إلى القول إنّ النّظام السّياسيّ في سورية تمكّن من تجاوز نفسه و أدواته التّقليديّة ، في جدليّة من العلاقة ما بين " الثّابت " و " المتحوّل " في صيغة قياسيّة من " القرار " السّياسيّ - التّاريخيّ ، الأمر الذي شكّل بحدّ ذاته حدثاً عالميّاً دان له ، بالقناعات ، مجمل النّظام العالميّ.
اجتمعت لسورية ، إذاً ، جملة من عناصر " الثّبات " و " التّحوّل " حتّى أكّدت فيها ، مرّة تاريخيّة أخرى ، حقيقة تماسك " الفكرة " التي تقوم عليها ظاهرة الدّولة الحديثة.
عندما تبقى الفكرة متماسكة ، تصبح جميع الأطراف الأخرى في معادلة " الوجود " تحصيل حاصل..
الفكرة تعبّر و ستبقى تعبّر عن نفسها في حلول متوالية و مستمرّة بواسطة متطلّباتها ، التي تجعل منها حقيقة خارجيّة تواكب أهدافها التي تنقذها في " التّحوّل " و " الثّبات " ، كما أنقذتها فيها عبر تاريخها الطّويل.
للتّاريخ ذاكرة مكانيّة و زمانيّة ، تجعل من صنائعه الإنسانيّة ثباتاً في المكان و استمراراً في التّحوّل في الزّمان.
لقد كان الدّرس التّاريخيّ الأبرز الذي جاء مع المحصّلات المتأخّرة للحرب ، هو أنّ الواقع العالميّ المعاصر ، بالجملة ، لا يمكن أن يكتفي ، في قابليّات تفسيره ، بالثّنائيّات البائسة التي تلجأ إليها " الثّقافات " و منظوماتها التّعبيريّة لعجز متراكم ، أصاب الأصول الثّابتة للعادات المتسرّعة في التّفكير. 
يحسن بنا ، و بغيرنا ، أن ننظرَ إلى قصّة هذه الحرب العميقة بمنظار مستقلّ عمّا يريده " الآخر " .. الآخر بوصفه " داخليّاً " كان أم " خارجيّاً ". 
لقد حان الوقت الذي فيه على السّوريين ، بخاصّة ، أن يُنتجوا مفاهيم " الدّولة " و " المجتمع " و " الحرّيّات " على نحو ابتكاريّ بعيد الرّؤية ، بدلاً من تكرار محفوظات التّردّد و الاستسهال ، التي غزت ماضينا في الثّقافة السّياسيّة ، على وجه التّحديد.
و هكذا ، فقط ، نعتلي ، مباشرة ، خشبة المسرح السّياسيّ في العالم ، و التي ازدحمت جدّاً بالأدوار الارتجاليّة في عدوى المسارات العالميّة السّطحيّة المقروءة بمفردات بخيلة.
إنّ مراكمة رأس المال الرّمزيّ ، السّياسيّ ، هو التّعويض الأبرز الذي يمكننا أن نمارسه ، مقابل " الخسارات " الأكيدة التي أصابتنا ، في التّراكم التّاريخيّ ، بفقرٍ شديدٍ عمّ الحاجات اليوميّة الأساسيّة ، فيما لم يصل إلى الإيمان بأنّنا عاجزون عن مواكبة العالم.  
و ليس ما هو ضروريّ ، أكثر من أن نتجاوز ذواتنا في منظومة الاعتقاد السّياسيّ التّقليديّة ، التي لا تزال فيها العموميّات طاغية على كلّ مغامرة فكريّة ، تغري بالتّجربة المتناسبة مع الخبرة التي فرضتها هذه الحرب. 
و حيث في سياق هذه " المغامرة " ، علينا أن أن ندخل في مخيالٍ سياسيّ جديد ، فإنّ الأولى - قبل ذلك - أن نكون قادرين على إعادة نقد " المصطلح " و على استعادته من فم الاستهلاك و الاجترار.
يخصّ هذا القصد جميع ما تستعمله " الثّقافة " ، و " الثّقافة السّياسيّة " بخاصّة ، من " إرث " يتنافد يوماً بعد يوم.
إنّه ليس مصطلحا " الثّابت " و " المتحوّل " ، إلّا مثالين ، و حسب ، من الأمثلة الغزيرة التي يسبح في عماء عاداتها الفكر ، العالميّ منه ، و كذلك الفكر المتقوقع في مواصفات لم تعد قياسيّة عالميّاً ، كما لم يستطع اختراق جدران المحدوديّة الفلسفيّة ( المعرفيّة ) التي يعاني منها في الصّميم ، بعد .
هذه " نقطة نظام " ، تنضاف إلى غيرها من " نقاط النّظام " التي طرحتها و فرضتها الحرب السّوريّة على فوضى الوعي ، في مَسيلِ الفاقة و المحدوديّة التي طغت على ثقافتنا ، حتّى اليوم !.
و على رغم ما يمكن أن تنفتح عليه نتائج الحرب ، حتّى الآن ، فإنّه من المؤكّد أنّنا وصلنا فيها - على الأقلّ - إلى مرحلة لم تعد قابلة للعكس الجهويّ أو الارتداد أو الهروب من فروض الدّرس السّياسيّ ، الذي يتطلّب لغة تعبيريّة جديدة ، تُحدث قطيعة " كاملة "(!) مع تقاليد " الأسلاف " الأجلاف و الأغبياء و المحدودين و المزوَّرين ، للخروج من تقاليد تِيهِ القرقعات الفارغة للتّحوّل و الثّبات.. !!؟

كيف وصلنا إلى لحظة إسقاط سورية للـ\"أف 16\" الصهيونية؟
بقلم: الدكتور : ابراهيم علوش

عروبة اللغة الأمازيغية وإيديولوجية النزعة البربرية الاستعمارية
بقلم: الدكتور عثمان سعدي



اضغط هنا لقراءة كل مواضيع الكاتب |

مواضيع ذات صلة:


 



تعريف جامعة الأمة العربية
النظام الداخلي
إحصائية شاملة
قدّم طلب انتساب للجامعة
أسرة الموقع
اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2013 - 2018
By N.Soft




تحطم طائرة عسكرية من نوع /إيل 20/ كانت تقل 14 جندياً روسياً قضوا خلال العدوان الصهيوني على سورية تحطم طائرة عسكرية روسية من نوع /إيل 20/ كانت تقل 14 جندياً روسياً قضوا خلال العدوان الصهيوني على سورية الجيش العربي السوري يتصدى لعدوان خارجي على مواقع في مدينة اللاذقية بالصواريخ أسقط معظمها والعدو الصهيوني يعلن مسؤوليته عن الغارات التي استهدفت بعض المواقع السورية بالصواريخ العالية الدقة GBU-39 ترامب يفرض رسوما على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار ويهدد بالمزيد فلسطين المحتلة | الاحتلال يخطط لإقامة 135 وحدة استيطانية جنوب الخليل العراق يقرر نشر قوات على الحدود لمنع خروقات النظام التركي وزيرة دفاع ألمانيا تعلن إبقاء قوات بلادها في العراق فترة أطول العراق | انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري: ترامب يكذب على الشعب الأمريكي الإدارة الأميركية تسحب 10 ملايين دولار من المساعدات المخصصة للفلسطينيين فلسطين المحتلة | استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة 250 برصاص الاحتلال في غزة خلال الجمعة الخامسة والعشرين ضمن مسيرات العودة وكسر الحصار في قطاع غزة المحاصر